منذ نشؤء الاهوار ووفرة المياه والزراعة، لجأت لهذا المكان مجتمعات واديان مختلفة، ولكنها تألفت فيما بينها حسن المعاشرة، فالسومرين وغيرهما من السلالات الحضارية المتعاقبة سكنة الاهوار وعشقت محاسنها الكثيرة، وذكروها في اثارهم ورسوماتهم وتحفياتهم المكتشفة من قبل لجان التنقيب، وبالرغم من اختلاف المعتقدات
والديان لسكان الاهوار، الا انهم تسودهم المودة وكل حسب ديانته، وفي بلادما بين النهرين تتعايش منذ القدم اديان ومذاهب عدة ... فمعظم المدن العراقية الكبرى مختلطة الاديان والمذاهب، وفي هذا الفصل نتناول الديانات المختلفة التي سكنت بيئة الاهوار منذ القدم وهم الصابئة المندائيون يتكلمون اللغة المندائية man daean وهي من اللغات السريانية الارامية واهم طقوسهم الاغتسال والضوء بالماء فهم يعتقدون ان الماء هو العنصر الذي يعطي الحياة للجسم والروح لذا فهم يغتسلون به بقدر ما يستطيعون وفي اوقات مختلفة ، وكل شيء يؤكل يجب ان يغسل بالماء الجاري، لهم اعياد
خاصة بهم، وايام صيام يصومون فيها، وهم لايتزوجون بغير النساء الصابئيات ويتجنبون أي اتصال وثيق مع ذوي الاديان الاخرى ، ويبلغ عددهم 10950 عام حوالي الاربعة آلاف نسمة في العراق، ومنهم الاساسية في القدم الحدادة وصياغة الفضة وبناء الزوارق وصناعة المناجل وادوات الحفر ، اما في الوقت الحاضر فمهنهم صياغة الذهب ولهم تجار معروفين. لقد استوطن الصابئة الاهوار ، ويبدو ان الدين الصابئي المندائي هو الدين
الا قدم بين الديانات العراقية، وانتشروا الصابئة بين قرى الاهوار على شكل اسلاف وبيوت، فمثلاً كان يقطن في قضاء الجبايش 120 اسرة من هذه الديانة وتزداد نسبتهم في مدينة سوق الشيوخ ، وما زالوا يتحدثون المندائية (لهجة ارامية) في المراسيم الدينية وحتى المنطقة التي يسكنوها قرب نهر الفرات في سوق الشيوخ سميت المنطقة باسمهم منطقة (الصبة) ويقطنون كذلك في اقضية ونواحي وقرى محافظة العمارة ، والذي لايعرف طقوس هذا الدين يتخيل انهم من عباد الماء اكثر ارتباط طقوسهم به واجلالهم لنهر الفرات ،وقد اشار عدد من مؤرخي الملل والنحل
الى هذا النوع من العبادة ... والمندائيون الصابئة وهي التسمية التي وردت في القران الكريم وتسميتهم هذة وردت في كتبهم الدينية باسم (المندائيين)، وقد اختلف المؤرخون قديماً وحديثاً في أي بقاع من العالم تطورات فلسفتهم وطقوسهم الدينية، اعتبرهم البعض من بقايا سلالات الاقوام السومرية ، وطوروا مقدساتهم نحو مرور الزمن. ويرى قسم من المؤرخين وكما جاء في الكتب المندائية المقدسة، ككتاب (كنز أربا) وكتاب (هران كوثة) وكتاب (دراشة بهيا) بأن نشأتهم في فلسطين ، وغلى نهر الاردن اقيمت طقوسهم حيث قام مرشدهم ونبيهم (يحيى بن زكريا) بالتعميد. وبعد تعرضهم لمجازر كثيرة في فلسطين قبل الميلاد نسبب معتقداتهم الدينية المتعارضة مع الطوائف اليهودية حيث قتل الرومان عدد من رؤسائهم الروحانيين وعلى اثر ذلك هاجروا قبل الميلاد على شكل مجموعات اتجه قسم منهم إلى مدينه (حران) وقسم منهم واصل جنوب العراق واستقروا في اهواره وبقوا محافظين
ومطورين عقائدهم الفلسفية متاثرين ومؤثرين بمن حولهم، وعندما جاء الفتح الاسلامي للعراق عوملوا كاهل المدينة. اما ديانتهم فيؤمنون بالتوحيد بالحي العظيم ، ويؤمنون بان نبيهم الاول آدم ، وما يؤكد قدم هذا الدين هو صلته الوثيقة بالديانة البابلية ، وكما اسلفنا بان كتابهم المقدس (كنز اربا) يقع في ستمائة صفحة ، وتسعون صفحة من الحجم الكبير المعتمد دينيا ان يكون مستنسخ باليد وباللهجة الآرامية وترجم الى اللغة الانكليزية والالمانية والايطالية وغيرها ، واخيرا ترجم في عام 1998 من اللهجة المندائية الى اللغة العربية بواسطة لجنة مختصة لهذاالغرض. يحتوي (كنز اربا) على عدة فصول تبحث في وصف الخالق ووصايا عامة والتعميد وخلق الاكوان والانسان وهبوط النفس وعروجها ثانية الى الخالق ومحاورات فلسفية حول الموت والحياة والانسان ، كما ان صراع الاضداد
او ما يسمى بـ ( الثنوية ) هو الشكل الرئيسي في صياغة افكار كتابهم المقدس فالكون بأكمله قائم علىصراع محتدم بين ضدين متلازمين متصارعين لاينفصلان ولايلتقيان ولكون عبارة عن عالمين هما عالم الخير ويطلق بالمندائية (عالم المنادنهورا) ويوصف بانه عالم الطيبة ، ويتربع على عرشه ملك النور العظيم ، خالق جميع الظواهر.. لانقص فيه انت النور الذي لاظلام ولاغضب فيه، اذن الصابئة ديانه سماوية لاقوام توطنوا الاهوار
منذ القدم ، ولا زالت مساكنهم تحاذي الفرات قرب الاهوار . وفي يوم السبت 18 /3/ 2006 احتفلوا باحد هذه الطقوس التي لها وقع خاص في قلوبهم. السيد لؤي الخميسي المهتم بدراسة عادات وتقاليد الصابئة المندائيين وهو من الطائفة نفسها يلقي الضوء على هذه الطقوس
التعميد
يقول الخميسي: ان الدين الصابئي هو دين توحيدي، يؤمن اتباعه باله واحد انبعث من ذاته وان الشيء المركزي في الدين هو التعميد في الماء الجاري وهو يقوم
لديهم مقام الاعتراف وطلب الغفران
لمواجهة الحياة مواجهة جديدة نقية وخالصة لوجه الله
ويضيف الخميسي:
المندائيون هم الصابئة الاصليون الذين ورد ذكرهم في القران الكريم وان لفظة الصابئي مأخوذة من كلمة (صبا) الآرامية وتعني الارتماس بالماء والمعمودية وليس من كلمة (صبأ) العربية ومعناها خروج الفرد عن دين ابائه الى دين آخر.. كما ان هناك فئة يطلق عليها اسم (صابئة حران) وليس هم الصابئة المندائيين بل هم فئة تعظم الكواكب والنجوم. ومن هنا جاءت فكرة ان الصابئة المندائيون عبدة نجوم وكواكب وذلك للخلط بين الصابئة المندائيين والصابئة الحرانيين، خاصة انهم سكنوا منطقة واحدة هي مدينة حران
اعياد الصابئة المندائيين
ويذكر السيد لؤي الخميسي أعيادهم بالنسبة للاعياد فان الصابئة المندائيين لهم أربعة اعياد على مدار السنة وهي(العيد الكبير) (عيد رأس السنة المندائية) و(دهفة ربة) ويتكون هذا العيد من مرحلتين وهما (عيد الكرصة) و(كنشي وزهلي) أي الاجتماع والتطهير والاجتماع يعني التفاف الاسرة- اما التطهير فهو تطهير الجسد والنفس وذلك من خلال التعميد – لذا اصبح فرضاً على كل مندائي التعميد في هذا اليوم لاستقبال الساعات المقبلة للكرصة بدرجة عالية من النقاء الروحي والجسدي – حيث تبدأ الكرصة من مغيب الشمس ليوم كتشي وزهلي أي (الكنس والتنظيف والتطهير) ولمدة 36 ساعة
36 ساعة من التعبد الروحي
في هذا الطقس يتحصن المندائيون في بيوتهم ويقومون بخزن الماء والطعام حيث لايجوز خلال الطقس الديني هذا استخدام الماء الجاري اثناء (التكريص) أي خلال 36 ساعة من التعبد الروحي.. والكرصة لدى الصابئة المندائيين حدث عظيم يمثل بداية تكوين العالم المادي بأمر الخالق العظيم وفيه تصعد المخلوقات النونانية (الناطري) والمكلفين بحراستنا الى الحي/دهورا/ (عالم النور) حيث رب الاكوان ليعبدوا ويسجدوا للخالق العظيم شاكرين خالقهم على تلبية دعائهم بتكوين هذا الكون المادي حيث يستمرون في هذا الطقس 36 ساعة. وخلال هذه الساعات تصبح الأرض وعالمنا المادي تحت سيطرة الأرواح الشريرة لذلك وجب على كل فرد مندائي التسلح بالايمان والصلوات والأدعية وحفظ النفس الى اقصى حد ممكن وفي هذه الايام لا يسمح بدخول الدارمن قبل أي شخص خلال فترة التكريص وعدم لمس الحيوانات والنباتات ومن عاداتهم في الكرصة إذا مات احدهم لا يدفن حتى انتهاء مدة الكرصة أي مرور اكثر من 36 ساعة. اما النهوض من سطح الماء فهو كتابة للعودة الى الحياة الجديدة المؤقتة الصادقة والموحدة
ويرى الخميسي: ان حياة ثانية توجد بعد الموت.. لان الموت عند المندائيين هو الانتقال من العالم المادي الى العالم الروحي لان الجسد عندهم فانٍ والنفس باقية وهي التي تحاسب عما فعلت في دنياها في الارض